أبي حيان الأندلسي

574

البحر المحيط في التفسير

قال : نعم . قال : أو ما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل ؟ قال : بلى ، قال : أفما علمت أن بيتي أدنى بيوت بني إسرائيل ؟ قال : بلى . قال : فبآية انك ترجع وقد وجد أبوك حمره . وكان كذلك . وانتصب : ملكا على الحال : والظاهر أنه ملكه اللّه عليهم ، وقال مجاهد : معناه أميرا على الجيش . قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ هذا كلام من تعنت وحاد عن أمر اللّه ، وهي عادة بني إسرائيل ، فكان ينبغي لهم إذ قال لهم النبي عن اللّه إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً أن يسلموا لأمر اللّه ، ولا تنكره قلوبهم ، ولا يتعجبوا من ذلك ، ففي المقادير أسرار لا تدرك ، فقالوا : كيف يملك علينا من هو دوننا . ليس من بيت الملك الذي هو سبط يهوذا . ومنه داود وسليمان ؟ وليس من بيت النبوّة الذي هو سبط لاوي ومنه موسى وهارون ؟ قال ابن السائب : وكان سبط طالوت قد عملوا ذنبا عظيما ، نكحوا النساء نهارا على ظهر الطريق ، فغضب اللّه عليهم ، فنزع النبوّة والملك منهم ، وكانوا يسمون سبط الإثم . وفي قولهم : أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا إلى آخره ما يدل على أنه مركوز في الطباع أن لا يقدم المفضول على الفاضل ، واستحقار من كان غير موسع عليه ، فاستبعدوا أن يتملك عليهم من هم أحق بالملك منه ، وهو فقير والملك يحتاج إلى أصالة فيه ، إذ يكون أعظم في النفوس ، وإلى غنى يستعبد به الرجال ، ويعينه على مقاصد الملك ، لم يعتبروا السبب الأقوى ، وهو : قضاء اللّه وقدره : قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ « 1 » واعتبروا السبب الأضعف ، وهو : النسب والغنى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ « 2 » « لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلّا بالتقوى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ » وقال اللّه تعالى وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ « 3 » قال الشاعر : وأعجب شيء إلى عاقل * فتوّ عن المجد مستأخره إذا سئلوا ما لهم من علا ؟ * أشاروا إلى أعظم ناخرة

--> ( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 26 . ( 2 ) سورة الحجرات : 49 / 13 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 221 .